في حفل تابين الراحل يعقوب زيادين

بسم الله الرحمن الرحيم

في تأبين أبو خليل

أيها الحفل الكريم

إنه لتكريم لي أنا  أن أقف اليوم في حفل تأبين وتكريم ذكرى  أحد رموز نضال الحركة الوطنية الأردنية الكبار. الدكتور أبو خليل زيادين الذي تماهت كنيته   على مدار أكثر من ثلاثة أرباع القرن مع الانسانية والطهر والعفة والصلابة والثبات على المبدأ ليصبح بامتياز النموذج الذي يجب أن يكون عليه المناضل السياسي الملتصق بغاية نضاله وهدف برنامجه : الوطن والشعب .نموذج بدأ بالانقراض للأسف على مستوى الطبقة القيادية المتصدية لمطالب الجماهير

          إن سيرة أبي خليل طوال العقود الماضية أضافت ما يشبه أل التعريف لكنيته فأصبح أشبه بالماركة المسجلةلا يقال “أبو خليل” إلا وعرف أهل السياسة  بمختلف أطيافهم من المقصود . طبيب إنسان لم يترك جمهور البسطاء يوماً وبقي في عيادته المتجذرة في وسط عمان ثابتاً في ما يمثل الوجه الآخر لثباته على مبدئه الذي لم يغير فيه لونه يرتاد البسطاء من أبناء الشعب الذين أحبوه عيادته بكل يسر وبساطة ويحتاج الرفاق الذين انجرفوا إلى مرتفعات عمان الغربية لمجاهدة للنفس ولمعاناة في حال رغبتهم زيارة عيادته حيث يجلس متجانساً مع نفسه. ولعل أشد معاناة عاناها  أبو خليل ليست تلك التي انصبت عليه من حكومات وسلطات لا يتوقع من مثلها غير ذلك ، ، فالمعاناة الواردة من هكذا سلطات متوقعة لا مفاجأة فيها، إنما المعاناة الأشد التي أصابت أبا خليل والقلة القابضة على جمر الوطنية في الصميم هي تلك المتولدة عن انقلاب كثير من الرفاق الوطنيين على وطنيتهم وتركهم لمواقع الصدام والنزال التي فيها الدفاع عن الشعب ومصالحه ، خصوصاً بعد انتفاضة معان 1989حيث سبق الشعب كالعادة الحديثة قياداته الشعبية السياسية وتحرك بمطالباته المشروعة ليحصد من كان يظن أنهم معارضون الثمار زعماً أنهم هم ومن خلال ما يسمى بالديموقراطية سيحققون للشعب أمانيه . وليس هنالك بأس في أن يحصد المعارضون النتائج إن كانت الحصيدة لصالح الشعب ، أما أن تكون نتائج حركة الجماهير انقلاب المنقذين إلى مشتكى منهم  فتلك مصيبة عاشها أبو خليل ما بعدها مصيبة.

بعد انتفاضة معان ، معان التي كانت وما زالت حتى اليوم تمثل ضمير الأردنيين الأحرار، في عام 89 انكشف هزال قوى المعارضة التي لم تلب المطالب الشعبية المحقة بإجراء تغيرات جذرية على نظام سياسي تم تشويهه بعد رحيل الإنجليز لدرجة بات مطلباً بعيد المنال العودة إلى دستور وضع عند وجود الإنجليز عام 1952 .بل اشرأبت أعناقها فقط للتطلع إلى إشغال كراسي في نظام مشوه ، تماماً كما يفعل مهندس أحمق  يتصور أن صب الخرسانة في قوالب معوجة كفيل بتصحيح اعوجاج القوالب وليس العكس.فكانت الخرسانة التي صبتها المعارضة مثيلة لتلك التي صبتها الموالاة من قبلها. وازداد الانهيار والتراجع وانهيار المعارضة واسكات الأقلام الحرة بالترغيب بأكثر مما استطاع الترهيب اسكاتها حتى باتت الحريات في زمن الأحكام العرفية حتى نهاية الثمانينيات متقدمة بشكل لا يقارن أبداً بوضعنا الحالي. النظام السياسي لم يزدد قوة أبداً بل على العكس من ذلك ، إلا أن انهيار المعارضة بشكل مريع هو الذي تسبب في حالة القمع والمذلة التي نراها في زمن ما يسمى بالديموقراطية. كل ذلك جرى أمام عيني أبي خليل المناضل فنحتت الأنواء حوله ما كان يبدو صخراً وعجزت عن النيل من تركيبته الأشبه بالغرانيت ، فإذا هو على غير رغبة منه أشبه بالمسلة الجرانيتية الشامخة التي لا تهنئ نفسها بجمال طولها الباسق بقدر ما تعزي نفسها وتعزي الوطن بذوبان الصخر من الجبل الذي كانت جزء منه ، جبل الوطن أحوج ما يكون إليه اليوم.

بقيت فائدة هامة من مناسبة تكريم أبي خليل على لسان قومي إسلامي، فائدة ننقلها إلى مستقبل أجيالنا حتى لا يكرروا مضيعة الوقت التي مر بها أسلافهم في تناحر ظن المتناحرون فيه أنهم في خندقين إيديولوجيين لا لقاء بينهما . فأبو خليل وصحبه كانوا معذورين في ما التبس عليهم من أن الإسلام يمثل قوى الرجعية عندما اصطف كثير من الإسلاميين بسذاجة مع المعسكر الغربي غير مدركين أن التناقض الحضاري الأكبر هو ذلك التناقض بين الرأسمالية المتوحشة وبين الإنسانية وكان قد ساهم في مزيد من دفع هؤلاء نحو ذلك الاصطفاف بسذاجة مماثلة تركيز كثير من قوى اليسار على محاربة الِإيمان , ولو أراد بعض المتعصبين دينياً اليوم أن ينسفوا اليساربسطحية مماثلة لفعلوا ذلك بجريرة ما يفعله الكثيرون من اليساريين الذين انهاروا وقفزوا إلى حضن العدو المعولم المعولم . لقد اكتشف أبو خليل والصادقين من أمثاله بأن الخندقة الحقيقية خندقة في داخل المجموعة الأيديولوجية الواحدة . فعقيدة الإسلام الصافية بريئة ممن يحمل لواءها مصطفاً مع قوى العولمة كما مع قوى الظلم المحلي. كما أنه ليس هنالك يسار أصيل في خندق قوى العولمة أو في خندق أنظمة التبعية .. إن ما  جمعني بأبي خليل الشيوعي الوطني المناضل أكثر بكثير مما يجمعني  بشخصية ذات مظهر ديني تفتي  للظلمة ما يزين ظلمهم وتسكت عن تعطيل  حكم الجهاد ضد الغزاة. وإن أبا خليل قد خدم وأمثاله أهداف الحرية وحق تمكين الشعوب من السلطة السياسية المختطفة التي أتوق إليها في توجهي  السياسي كمتدين يرى في الدين رافعته الإنسانية على ضد  من إسلاميين أو قوميين أو يساريين استخذوا للسلطات المحلية والعالمية فوهبوا اللب وتشبثوا بالقشرة . فليس ديناً دين لا يخدم الناس وليس يساراً يسار يتقلب في حضن ليبرالية عدوة  للإنسان .

ودعنا أبا خليل ونحن نسمع من جديد اسطوانة مشروخة كاذبة مفادها أن التناقض المانع للنهضة هو التناقض  بين الإسلاميين وبين القوميين واليساريين محييدين بذلك أنظمة لئيمة شريرة تتقلب في تحالفات مع واحد منهم ضد الآخر راكبة المد  دائسة على الجميع. الحقيقة هي أن التناقض المانع للنهضة ليس بالتناقض العقائدي بل هو تناقض أخلاقي أحدث شرخا في كل خندق. تناقض بين إسلامي زعماً وبين الضد في ذاته بقبوله بالتدخل الاستعماري الأجنبي  في شؤون بلاده طلباً لحرية مهيمن عليها وتناقض بين قومي ويساري مطالب بالديموقراطية  وبين ذاته إذ يستنجد بالعسكر ويرقص فرحا بقدومهم ويحلل لهم مذابحهم ومعتقلاتهم . أعطني قوميا وإسلاميا ويساريا يجرمون التدخل الأجنبي ويجرمون حكم العسكر ويجرمون الاعتقالات ومذابح الاعتصامات وسأعطيك نهضة لأن ما يفرق هؤلاء المتمسكين بالطهر الوطني أقل بكثير من أن يكون حائلا لتجمعهم في جبهة ضد الصهيونية والاستعمار وأنظمة هي ذيول للاستعمار.

لو لم يكن أبو خليل من هذا الصنف  العملاق الذي لا يتقوقع ضمن خندقه الأيديولوجي متحججا بالاعتذار عن الاصفاف مع نظراء له في خنادق  وطنية رديفة صديقة لما وقفت هنا مؤبنا .قد سبق في كهولته التي يفترض أن تشجع عنده المحافظة تقدمية الشباب وجرأتهم. في عام 1988 وكان المرجع الأهم لما يعرف بالقوائم النقابية الخضراء تسامى في موقفه خدمة لوطن هو أهم من الخندقة الحزبية فاقترح هو التوحد حول مرشح لمركز نقيب المهندسين لضرورة التوحد أمام الانهيار الاقتصادي والسياسي اللذين كانا يطلان على البلاد. وقد حاول إعادة الكرة بطريقة بشكل آخر في مطلع القرن الحالي إذ أخبرني ضاحكا برفض اقتراح له  اقترحه على قيادات اليسار الذين حضروا إلى منزله للتشاور : تعالوا نكتل كيساريين في برنامج وطني يقوده هذا الإنسان. وغبي كل من يعتقد أنه بمثل هذه المواقف قد تنكر لماركسيته أو أن خطيبكم قد فارق دينه. إن المعتقد الذي لا يصعد بك إلى مستوى الوطن كافة إما أنه معتقد بائس او أن البؤس هو رفيقك الذي حجب عنك الغاية الوطنية من وسيلتك الحزيبة. وبعد أفليس أبو خليل بعملاق فقدناه.

ختاما سأله صحافي رآه في شيخوخته الشابة قبل سنوات قليلة يشارك في حمل يافطة طويلة تدين الاعتداء علي عن سبب وقفته  تلك فأجابه بتصريح  اختتمه بقوله له : هذا اعتبره مثل ابني !

إن عدم وقوفي اليوم هنا عقوق تأباه المروؤة لي . أرجو أن أكون بارا بالوالد أبي خليل العزيز الذي غمرني بوده وحماسه لمسيرة كان هو أحد رعاتها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ليث الشبيلات

31 ايار 2015

Leave a Reply

© 2016 Laith Shubeilat | ليث شبيلات. All rights reserved.
Proudly designed by Theme Junkie.